رئيس مجلس الإدارة : ياسر رزق / رئيس التحرير : محمد البهنساوى


قالوا

لو كنت عضوًا في البرلمان


  د . طه حسين
12/6/2017 12:28:07 PM

لو كنت عضوًا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية: لا تسمع لكلام صدقي باشا وأشباهه، فإنهم لا يقولون ولا يكتبون في السياسة المالية أو غير المالية إلا وهم يذكرون أنفسهم قبل أن يذكروا شيئًا آخر غير أنفسهم، فهم يُفكِّرون فيما يمسهم من السياسة المالية أو غير المالية من قريب أو بعيد، وهم يقولون أو يكتبون ليدافعوا عن أنفسهم ما قد تنالهم به هذه السياسة من نقص في الأموال أو في الثمرات، ولو كان هذا النقص وهمًا أو خيالًا.

نعم، ولو كنت عضوًا في مجلس الشيوخ أو فى مجلس النواب لقلت لوزير المالية: لا تسمع لصدقى باشا وأشباهه، فإنهم لا يفكرون فى رخاء الشعب، ولا فى إرضائه، ولا فى إصلاح مصر، ولا فى رُقيِّها بمقدار ما يفكرون فى أموالهم وأعمالهم ومنافعهم، وأذكر يوم فكرت الحكومة فى تيسير تجارة الفاكهة بين مصر وبلاد الشرق الأدنى، فثار صدقى باشا يحتج، ولم يفكر فى أن الحكومة إنما كانت تريد أن تبيح للمصريين الفقراء أن يذوقوا البرتقال وما يشبهه من الفاكهة، بعد أن حُرِّمت عليهم ثمرات مصر، لأن أصحابها من أمثال صدقى باشا يؤثرون أن يكسبوا منها المال الكثير على أن يبيحوها مواطنيهم الذين لا يستطيعون أن يدفعوا إليهم هذا المال الكثير.

ولو كنت عضوًا فى مجلس الشيوخ أو مجلس النواب لقلت لوزير المالية : لا تسمع لصدقى باشا وأشباهه من الذين يحسنون الكلام فى المال والأعمال، والعبث بالحساب والأرقام، وإلقاء النظريات الاقتصادية كما كان يلقى أبولون وحيه إلى كاهنته فى الزمن القديم، فإن فى حياة مصر، بل فى حياة الإنسانية الآن أمورًا أعظم خطرًا وأجل شأنًا من الحساب والأرقام ووحى أبولون، وتشدق أصحاب الكفايات، وأهم هذه الأمور أن يأكل الجائع، ويشرب الظمآن، ويستريح البائس من بؤسه، وتُتاح للشعب فرصة يشعر فيها بأن الله لم يخلقه ليكون خادمًا لصدقى باشا وأشباهه، وإنما خلقه ليعمل ويجنى ثمرة عمله.

ولو كنت عضوًا فى مجلس الشيوخ أو فى مجلس النواب لقلت لوزير المالية: لا تسمع لصدقى باشا وأشباهه؛ فليس إنصاف الموظفين عيبًا، وليس إنصاف الطوائف عيبًا، بل ليس إرضاء الموظفين وإرضاء الطوائف عيبًا، فالموظفون من أبناء الشعب، والطوائف من أبناء الشعب، والدولة إنما وُجِدت لتنصف الشعب وترضيه، وتُمكِّنه من الرقى والاستمتاع بالحياة على أكبر وجه ممكن.

ولو كنت عضوًا فى مجلس الشيوخ أو فى مجلس النواب لقلت لوزير المالية: لا تسمع لصدقى باشا وأشباهه، فإنهم حين يلقون هذه النظريات الاقتصادية العليا لا يتعمقون الأشياء، ولا يفكرون تفكيرًا مستقيمًا، ولا يجارون التطور السياسى والاجتماعى فى العصر الذى يعيشون فيه، وإنما هم محافظون، ومحافظون على أشياء لا معنى للمحافظة عليها، لأن أيامها قد انقضت منذ زمن طويل. هم لا يتعمقون الأشياء، ولو قد فعلوا لعرفوا أن إنصاف الموظفين وإرضاء الطوائف ومحاولة تحقيق العدل الاجتماعى، كل ذلك ينفعهم أكثر مما ينفع الموظفين والطوائف.

فالموظفون لا يعملون لأنفسهم، وإنما يعملون للناس جميعًا، وليس من العدل ولا من المنفعة ولا من الخير، ولا مما يحقق الأمن الاجتماعى أن يشبع صدقى باشا وأشباهه بطيِّبات الحياة، وأن يجوع الذين يعلِّمون أبناء صدقى باشا وأبناء أشباهه، ويظمئوا ويشقوا، ويبتئسوا ويعجزوا عن أن يجدوا ما ينفقون.
أؤكد لوزير المالية أن الحياء قوام الفضيلة وقوام الرجولة، وأن هناك أشياء كثيرة لا ينبغى أن تُقال، وهم لا يفكرون تفكيرًا مستقيمًا، لأن الموظفين والطوائف الذين تنصفهم الحكومة أو ترضيهم لا يأخذون الأموال ليشتروا بها الأرض، أو ليستثمروها فى المصارف، أو ليكنزوها حيث يعلم الله، وإنما يأخذون هذه الأموال لينفقوها على أنفسهم وعيالهم، فهم يأخذون من الحكومة ليردوا على الشعب، وهم بذلك لا يعطلون حركة الإنتاج، وإنما يزيدونها قوة وخصبًا ورخاءً؛ فإنصاف الموظفين والطوائف وإرضاؤهم خير حتى من الناحية الاقتصادية التى يستأثر بعلمها والقول فيها أصحاب الأموال والأعمال، ثم هم لا يجارون التطور السياسى والاجتماعى، فقد مضت تلك الأيام السود التى كان الشعب يُتَّخذ فيها أداة لخدمة الدولة أو وسيلة لإرضاء أصحاب الثراء، وأصبح الشعب هو الغاية، وأصبحت الدولة هى الوسيلة، وهى الأداة، إن العناية بصحة الشعب واجبة، لأن من حق الشعب على الدولة أن تعنى بصحته وكفى. إن الشعب ليس أداة ولا ماشية يجب أن نُعنى بها لتكون أكثر إنتاجًا، وأعظم نفعًا، وإنما الشعب هو الغاية لكل نظام سياسى أو اجتماعى لا أكثر ولا أقل.

ولو كنت عضوًا فى مجلس الشيوخ أو فى مجلس النواب لقلت لوزير المالية: صدقنى إنك قد خطوت خطوة حسنة إلى إنصاف الموظفين والطوائف وإرضائهم، ولكنها قصيرة جدًّا، لا تبلغ من إنصافهم وإرضائهم إلا أيسر ما تريد أنت، وأقل ما يستحقون هم، فالغلاء لا يُطاق، والأجور التى تُعطى للموظفين والطوائف بعيدة كل البعد عن أن تلائم هذا الغلاء، وعن أن تُمكِّن الموظفين والطوائف من أن يأمنوا ويُؤمِّنوا أبناءهم الجوع والبؤس والحرمان، وأنا أعلم أن ميزانية الدولة لم تسمح لك بأكثر مما فعلت، ولا بأس عليك من أن تفرض الضرائب، وتأخذ من الأغنياء أكثر مما تأخذ، فقد يكفى أن تنظر إلى شعور الأغنياء فى أوروبا وأمريكا بالتضامن الاجتماعى، وإلى شعور الأغنياء فى مصر بهذا التضامن الاجتماعى، لتفرض الضرائب غير متردد ولا متحفظ، إن الأغنياء فى أوروبا وفى أمريكا يؤدون إلى الدولة ضرائب هائلة، ولكن كثيرًا منهم لا يكتفى بما يؤدى إلى الدولة، وإنما ينفق عن سعة على التعليم والصحة وأعمال الخير والبر، ومع ذلك، فالفقراء وأبناء الطبقات الوسطى فى أوروبا وأمريكا لا يرضون عن توزيع الثروة، ولا يطمئنون إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، فكيف لو تعلَّم أبناء الشعب فى مصر، ورأوا خوف أغنيائنا من الضرائب، وإعراضهم عن التضامن الاجتماعى، وإيثارهم أنفسهم بكل خير، ولومهم للحكومة كلما حاولت أن تنصف بائسًا، أو ترفق بمحروم، ألم أقل لك: إن هؤلاء الناس حين يلومونك فيما يسمونه الإغداق باليمين والشمال، وما أسميه أنا محاولة للإنصاف، لا يتعمقون الأشياء، ولا يفكرون تفكيرًا مستقيمًا، ولا يجارون التطور السياسى والاجتماعى فى هذه الأيام.

عدد المشاهدات 1810