رئيس مجلس الإدارة : ياسر رزق / رئيس التحرير : محمد البهنساوى


منوعات

في ذكراها.. «منيرة المهدية».. كرمها «جمال عبدالناصر» ورحلت في صمت


منيرة المهدية

  محمود عراقي
3/11/2018 7:55:19 AM

بدأت زكية حسن، الشهيرة بمنيرة المهدية، الغناء قبل عمر العاشرة، وشقت طريقها إلي المسارح وهي في هذه السن الصغيرة ولمع اسمها في شارع عماد الدين قبل بلوغها الرابعة عشرة، واستطاعت بذكائها الفطري أن تصعد إلي القمة.

تمتعت منيرة المهدية، بجرأة عجيبة على التنويع في أدوارها، لدرجة أنها لم تكتف فقط بأدوار النساء، بل كانت تقوم بأدوار الرجال أيضا، وحدث بعد أن منحت محمد عبدالوهاب، وكان مطربا ناشئا فرصة الوقوف أمامها ليؤدي دور أنطونيو في أوبريت " أنطونيو وكليوباترا"، واستطاع عبدالوهاب، أن ينال إعجاب الجمهور، وكانوا يصفقون له كلما انتهى من إحدى وصلاته. 

لفت الأمر انتباه منيرة المهدية، وصمتت على مضض، لكنها أحست من كتابات النقاد ومما تسمعه من عشاق الفن في صالونها أن عبدالوهاب، أصبح يتقاسم معها جمهورها، وبكلمة واحدة استغنت عن خدماته، وفوجئ الجمهور في الليلة التالية بأن مطربة القطرين فتحية أحمد هي من تؤدي دور كليوباترا، ثم فاجأتهم منيرة المهدية في زي أنطونيو لتؤدي الدور بديلا عن عبدالوهاب، ونجحت نجاحا منقطع النظير. 

وقامت بدور الراهب في "تايبس " ولمعت في دور روميو، وبلغت عدد الأوبريت التي قدمتها على مدار عشرين عاما من العمل المتواصل على المسرح ما يزيد على 30 أوبريت لحنها لها سيد درويش وكامل الخلعي، وداود حسني، وزكريا أحمد، ومحمد القصبجي. 

كانت منيرة المهدية، تردد دائما غضبها من المسئولين في الإذاعة الذين تجاهلوها منذ افتتحت الإذاعة المصرية الحكومية عام 1934 إلى أن أقعدها المرض في فراشها عام 1961، وعرضوا عليها في البداية مبلغ 25 جنيها، فرفضت وهي من كانت لا تغني على المسرح إلا إذا تجاوز شباك التذاكر مائتي جنيه، وكانت تنظر إلى القاعة قبل رفع الستار، فإذا وجدت الجمهور أقل مما يليق بها ألغت الحفل وردت إلى الجماهير أموالهم، وبعد أن اعتزلت منيرة المهدية، لم تفكر الإذاعة في الاستفادة منها حتى أغانيها لم تكن تذيع منها شيئا.

ووسط هذا الجحود من الإذاعة ومن الأصدقاء القدامى، جاءها التكريم من الزعيم جمال عبدالناصر، بتقليدها وساما في عيد العلم عام 1961، ولم تذهب منيرة، لتسلمه بسبب مرضها، وذهب إليها محيي الدين أبوشادي، مندوبا عن وزير التربية والتعليم وقدم لها الوسام في فراش المرض، وقالت له: "إن هذا الوسام أحسن تتويج لحياتي الفنية"، وكانت تتمنى مغادرة الفراش لتقدم بنفسها الشكر إلى جمال عبدالناصر، لكن المنية وافتها قبل أن تتحقق أمنيتها. 

منيرة الثورية

كانت منيرة، بعد أن تنتهي من الغناء كل ليلة كانت تعود إلى بيتها لتلتقي بأشهر السياسيين في مصر، وتستمع إلى أدق أسرار السياسة، وكان سعد زغلول، من المعجبين بها، فقد انفعلت مع الثورة المصرية، وقدمت أوبريتات وطنية كانت أغانيها تلهب حماس الجماهير. 

كان الإنجليز ينظرون إلى مسرح منيرة، بعدم ارتياح، ويعتبرونه محرضا للجماهير على الاستمرار في الثورة، لكنهم لم يستطيعوا أن يغلقوا المسرح أو يعتقلوا منيرة، أو حتى يلفتوا نظرها إلى أنها تغني أغاني محظورة، فقد كان حب الناس لها قلعة تحتمي بها من الإنجليز.

بدأت الأضواء تتحول عن سلطانة الطرب بعد أن ظهرت أم كلثوم، التي واتتها جرأة غناء القصائد ذات المعاني السامية في الحب الرفيع، لتتحول دولة الغناء إلى كوكب الشرق، وتنتقل إليها الأضواء، وفي نفس الفترة تعرضت منيرة، إلى حادث غير مجرى حياتها، بعد أن وقعت داخل سيارتها فكسر الجزء الأعلى من أنفها وأصيبت ساقها اليسرى برضوض فاحتجبت عن المسرح. 

بعد الشفاء عادت منيرة، إلى المسرح، لكنها فوجئت بوفاة أحب الناس إليها شقيقتها، لتظلم الدنيا في عينيها، وكانت تقول إنها فقدت شهيتها للغناء وإنها تعتقد أنها أدت رسالتها، وتستطيع الاعتزال، لتعتزل السلطانة وهي متألقة، وبعد حوالي عشرين عاما قررت فجأة العودة للغناء وعادت ليلة أو ليال معدودات لكنها كانت مثيرة للشفقة، ولم تثر الإعجاب فاعتزلت على الفور.

داهم المرض منيرة المهدية، ولم تجد في أواخر أيامها من يقدم لها أقراص الدواء أو كوب ماء، وهي من كان هناك وقت يجتمع فيه لديها مجلس الوزراء، ويتدفق الذهب تحت قدميها بلا حساب، رحلت في صمت بعد أن ملأت الدنيا غناء وطربا، وانتهت بغير ضجيج حياة زاخرة بالمجد والنجاح. 

وفي مثل هذا اليوم توفيت منيرة المهدية، وتحديدا في 11 مارس عام 1965.

آخر ساعة: 17-3-1965

عدد المشاهدات 364