رئيس مجلس الإدارة : ياسر رزق / رئيس التحرير : محمد البهنساوى


منوعات

حكايات «عشماوي الثالث» مع المشنقة في الغرفة السوداء


«عشماوي الثالث»

  محمود عراقي
5/16/2018 3:08:29 PM

مهما اختلفت أسماؤهم، أطلق عليهم المصريون دائما لقب  «عشماوي» منفذ حكم الإعدام، لم يكن عشماوي واحدا،  بل ثلاثًا، ولكل واحد فيهم حكايات وقصص في تلك الغرفة السوداء، التي تقبض فيها أرواح المحكوم عليهم بالإعدام شنقا، ومن بين هؤلاء عشماوي الثالث، وهو محمد مصطفى شورى.

السبب في شهرة عشماوي، هو محمد إبراهيم عشماوي، أول من تولى هذه المهمة، وتناقل اللقب بين الأجيال، ثم جاء عشماوي الثاني محمد بدوي، ثم الثالث محمد مصطفى شورى، والذي قضى في هذه الوظيفة 25 عاما، أنهى خلالها حياة نحو ألفي مجرم معروفين وغير معروفين.

بداية قاسية

بدأت حياة عشماوي الثالث، بداية قاسية، رأى زميله  بدوي، عشماوي الثاني، يموت من الخوف أمام عينه في الغرفة السوداء، رآه في هذا اليوم خائفا على غير عادته، وهما في طريقهما إلى قنا، لتنفيذ حكما بالإعدام، وبعد أن قيدا المحكوم عليه، وغطيا وجهه، جذب بدوي الحبل، وسقط المقتول، وفي نفس اللحظة، طار غطاء رأسه في الهواء، وظن بدوي أن رأس المقتول قد انفصلت عن جسده، فبرقت عيناه وقفز من الرعب.

أسرع محمد شورى، إلى أسفل ليتأكد من تنفيذ العملية، ولما عاد وجد أن عدد الضحايا في الغرفة زاد واحدا، حيث مات صديقه بدوي، لتبدأ حياته مع المشنقة، وفي البداية رفض شورى، تولي هذه المهمة، وصمم على الرفض أسبوعا كاملا، ظل ملازما لبيته، وعاش حالة من التوتر العنيف بين الجذب والشد، والرفض والقبول، وبين العاطفة والعقل، وفي النهاية اقتنع أن هذا العمل لا يخالف الدين ولا القانون، بل على العكس فإنه ينفذ أمر القانون وشريعة الله، فأصبح عشماوي الثالث.

حكايات على منصة الإعدام

كان محمد شورى، يحرص على متابعة تصرفات وحركات المحكوم عليهم، وكان دائما ما يبحث عن جواب للسؤال: كيف نواجه الموت؟ وكان أكثر من أعطاه جوابا لسؤاله هو محمود العيسوي، قاتل أحمد ماهر باشا، فعندما أحضره الحرس مكبلا، أشار لعشماوي بالتمهل، وطلب الصلاة، ولما وقف على المنصة التفت إلى الصحفيين قائلا: إن حكم التاريخ لا يعنيني، ولكنني مسلم وراض بقضاء الله وحكمه.

وطلب العيسوي، الانتظار حتى يتلو سورة يس، ودهش عشماوي، وقال لنفسه: كيف يقوى على هذا الموقف؟ وكيف يستعيد في ذاكرته القرآن، وظل يقرأ وعشماوي، ممسكا بالحبل، وبعد فترة من القراءة تحركت قبضة عشماوي على الحبل ليصمت العيسوي، للأبد.
 
قاتل النقراشي

بالرغم من أن محمود عبدالمجيد، قاتل النقراشي باشا، أظهر جرأة نادرة في عملية اغتياله، إلا أنه انهار تماما يوم الإعدام، جاء إلى الغرفة وكأنه يزحف على رجليه، وأخذ يستمع إلى الحكم في ذهول وحيرة، وبهت لونه، وذهب الدم من وجهه وجسده، وبعد ثوان صرخ، وأخذ يهذي ويذكر أسماء، وقال له المأمور: لماذا لم تقل ذلك في البداية؟ وأعطى الإشارة لعشماوي، ونفذ حكم الإعدام، ليطبق على الغرفة صمت كئيب.

آمنة

آمنة، المرأة الوحيدة التي شنقها عشماوي الثالث، والتي كانت متزوجة، وأحبت شابا أرادت الزواج منه، ولما علم أهلها بالأمر تآمروا على قتلها، ولكنها سبقتهم، ودست السم لهم في الطعام، وتسببت في وفاة أبيها وأخيها، وعمها، وزوجها، ولما اقتربت من عشماوي، همست في أذنه تطلب شيئا يغيبها عن الوعي حتى لا تشعر بشدة الإعدام، وانهارت من الخوف، ولم تقرأ الشهادتين، وجذب عشماوي، الحبل وهو يهمس بهما.

الغناء الأخير

وتحت المشنقة وقف أخوان محكوم عليهما بالإعدام، يغنيان ويردان على بعضهما، ولما بدأ المفتش بتلاوة حكم الإعدام، توقفا عن الغناء، ولما انتهى عاودا الغناء مرة أخرى، ولما نفذ حكم الإعدام في الأول توقف الثاني عن الغناء، وانفجر باكيا، وطلب من عشماوي، الإسراع حتى يلحق بأخيه.

وآخر محكوم عليه، اعترف لعشماوي، أنه لم يقتل الرجل الذي يعدم من أجله، ولكنه في أحد الأيام تسلل لأحد المنازل بقصد السرقة، ولمح طفلا صغيرا يوقظ أمه النائمة بجواره، فخشي أن ينكشف أمره، فأطبق يده على فم الطفل الصغير، حتى فارق الحياة، وألقى بجسده داخل وعاء كبير للماء، وشعر عشماوي، أن عدالة السماء لا تضيع مهما طال الأمد.

آخر ساعة: 16-5-1962

عدد المشاهدات 1658