رئيس مجلس الإدارة : ياسر رزق / رئيس التحرير : محمد البهنساوى


رياضه

من داخل «أخبار اليوم».. حكايات «بيليه» التي لا يعرفها أحد


بيليه

  الأخبار كلاسيك
4/12/2019 1:33:07 PM

ذكريات لن تفلتها الأيام، عندما جاء اللاعب الذي هز شباك الملاعب العالمية الجوهرة السوداء بيليه، وشرب القهوة في مؤسسة «أخبار اليوم».

صراحة لم يعجبه البن، وهو الأمر الطبيعي فهو ابن البرازيل التي تزرع أعظم مساحة من البن، ولما راح بيليه يتجول بين المعجبين من المحررين والعمال لم يتصور أحد أن هذا الشاب الأسمر هو صاحب القدم الذهبية، وأنه استطاع برجله أن يمتع الملايين، وأن يكسب الملايين أيضا!

بيليه.. الاسم السحري الذي اشتهر عقب فوز البرازيل بكأس العالم سنة 1958، ووصلت شهرته إلي مصر، وولدت أسطورة اسمها بيليه، وتكونت صورة له في أذهاننا، عملاق، طويل، يخيف من يراه، يهز الشباك بقدمه حتي ولو لمس الكرة لمسة خفيفة.

وكانت "أخبار اليوم" قد دعت فريق البرازيل في سنة 1960 ليلعب في القاهرة ثلاث مباريات، كان أول شرط وضعته "أخبار اليوم" أن يكون بيليه ضمن الفريق، وأن يلعب في كل مبارة، وذهبت إلي المطار استقبل الفريق، وكلما رأيت عملاقا حملقت فيه ونظرت إلي وجهه، وكانت آمالي تخيب دائما فوجهه لا يشبه "بيليه" وكدت اعتقد أن "بيليه" لم يحضر، وفجأة وجدت وجه "بيليه"، ولكن علي جسم شاب صغير يرقد علي أريكة في صالون الاستقبال بالمطار، ولم أتصور أن هذا الشاب الوديع الذي يكاد يذوب من الرقة هو الأسطورة "بيليه"!

بيليه، طوال فترة وجوده بالقاهرة، في أهرامات الجيزة رفض ركوب الجمل خوفا من الوقوع، وفي حديقة الحيوان أخذ يشاكس ملك الحيوانات الأسد بعصاه، وفي حفل استقبال "أخبار اليوم" كان مرحا يحدث كل العاملين ويوقع لهم علي الأوتوجرافات، ولكن مفاجأة كانت في انتظاري، كيف أقدم هذا الشاب الخجول إلي الجمهور وأنا المسئول عن الدعاية للفريق، شاب نحيل مقوس الساقين وكأنه «بطة» يتدرب مثل أي لاعب آخر ولا يحاول ان " يستعرض " وكما قال أستاذي جهينة "لقد حيرني بيليه ودوخني "ولعب أول مباراة وسجل هدفا واحدا، وكتب أحد النقاد عن بيليه، يقول: "إنه النقطة السوداء وليس الجوهرة السوداء".

وسجل "بيليه" ثلاثة أهداف في المباراة الثانية، وفصلت الجريدة هذا الناقد واختفي إلي الأبد من الوسط الرياضي، وكانت غلطة لم يغفرها له الجمهور، ولا عشاق الكرة.

وكتب المرحوم جهينة عن بيليه يقول: " بيليه مشكلة المشاكل.. من أدق ملاحظات خبير مخضرم في كرة القدم أن ملك اللاعبين النجم البرازيلي "بيليه" كان القاسم المشترك في دراسات معظم الفرق المشتركة في كأس العالم، لا من حيث تقييمه وفنه، ولكن من زاوية كيفية وقف خطورته..".

وفي القاهرة أسلم بيليه، "نفسه للأستاذ مراد خير الدين ليقوم بتدليكه.. وكان ذلك تحت إشراف مدربه "فيولا" وطبيب الفريق الدكتور "جوزلينج".. وقال مراد خير الدين: "لقد وجدت في ساقي "بيليه" جميع المميزات العضلية.. والتشريحية.. التي يحتاج اليها أي رياضي وليس لاعب كرة قدم فقط.. عضلات طويلة قوية كالصلب.. مرنة كالمطاط.. صلبة كالصخر.. إذا شدها.. لينة كالعجين إذا أرخاها.. والعجيب أن قوة عضلات ساقيه لم تطغ علي باقي جسمه.. أن له ذراعي ملاكم.. وصدر مصارع.. وجذع عداء.
هذا هو بيليه.. وهذه هي حكاية بيليه.

لا يعرف أحد متي أطلق عليه اسم "بيليه".. عائلته تسميه "ديكو".. وأصدقاؤه يسمونه "ساكي".. وجمهور الكرة في جميع أنحاء العالم يطلق عليه اسم "بيليه".. ولكنه يوقع علي أوتوجرافات المعجبين " ادسون بيليه " ويوقع علي العقود التجارية "ادسون ارانتوس دونا سيمنتو".. محترف كرة يلعبها بروح الهواة.. وهاو لأعمال تجارية ويديرها بروح المحترفين.. هوايته السباحة ومنها اكتسب مرونة العضلات.. وهوايته الثانية الموسيقي.. يعزف الجيتار والأوكورديون بمهارة المحترف.. يبكي وهو يسمع الموسيقي.

سهرته المفضلة في المنزل وسط أسرته.. وخارج المنزل في السينما.. متدين جدا ويرسم علامة الصليب علي صدره قبل نزوله إلي الملعب.. يأكل تفاحة قبل المباراة بدقائق حتي لا يشعر بجفاف في حلقه أو يشعر بالعطش.. يعيش علي الحرمان.. إفطاره في الصباح : كوب عصير من الأناناس وقطعة لحم مشوية وبيضتان مقليتان بالزبد وفنجان قهوة باللبن وشريحة صغيرة جدا من الخبز.. وغداؤه : فنجان شوربة وقطعة لحم مشوية وملعقتان من الأرز أو الفاصوليا البيضاء وسلاطة خضراء وفنجان قهوة سادة..وعشاؤه : طبق شوربة عدس وكمية مضاعفة من البوفتيك وجيلاتي وقطعة جاتوه.. ينام ثماني ساعات يوميا.

ويقضي اجازته في صيد السمك والطيور.. وأسعد يوم في حياته يوم يري ابنه في شهرته.. يعشق اللعب كحارس مرمي وهو دائما احتياطي لحراس المرمي.. ومن رأيه: ان ضربة الجزاء تعتبر طريقة وضيعة لتسجيل الأهداف.. إذا لم يؤمن بأن قرار الحكم صائب فهو يحاول دائما ألا يسجل الهدف.. وإذا سجل من ضربة جزاء مشي في سكون تام وهو حاني الرأس.

يري بيليه، في تسجيل الأهداف اكبر لذة في حياته ان يسجل " جول ".. إنها لذة لا تعادلها أي لذة اخري.. سجل " 1065 " ألفا وخمسائة وستين هدفا.. المنظر الذي تشاهده دائما هو منظر بيليه وهو يجري ويده اليمني مرفوعة في الهواء وقبضته مضمومة.. وهو يقفز في الهواء قفزات متتالية كالكانجارو صائحا " جول.. جول.. بووا.. بووا ".. اي " هدف.. هدف.. هائل.. هائل ".. هذا المنظر يتكرر في كل مباراة ومع كل هدف يسجله فريقه.

اخطاؤه: يبحث عنها ويشاهد أفلام مبارياته ويتعلم كل جديد عن الكرة،يتدرب كأي لاعب كرة مبتدئ في البرازيل.. يبدأ تدريبه بمهارات فردية،ثم طريقة لعب الفريق، ثم طريقة اللمستين بلمسة بقدمه يوقف بها الكرة والثانية يوزعها بإحكام إلي زميل علي بعد يزيد على 30 ياردة.. يرعب اي فريق يلعب ضده لسرعة حركته،سرعة تصرفه مع الكرة،سرعة تغيير اتجاهه مهما كانت سرعته، سرعة انتهازه للفرص،سرعة تصويبه علي المرمي، سرعة اتخاذ القرار السليم وتنفيذه الفوري، سرعة تحكمه المعجز في الكرة.

ويقول "بيليه": "أنا اقابل الجمهور بأعصاب من يلعب أولي مبارياته، أصاب بالقلق قبل اي مبارة هامة،وأصاب بالأرق فأنا لا اعرف كيف ألعب إلا اذا كانت اعصابي مشدودة مثل وتر الجيتار، وفي نفس الوقت تهتز بسهولة لتخرج أنغاما جميلة، وعندما أجد أن أعصابي لا تهتز أعرف أن موعد اعتزالي قد حان.

كرة القدم كانت هواية هذا الطفل الأسمر، وعقب كل مرة يلعب فيها كانت والدته تكافئه بعلقة ساخنة.. كانت تقول له " هل ترغب في ان تصبح شخصا تافها.. هل ترغب ان تصبح لاعب كرة ؟ ! "وكان والده "دينهو" يتألم في أعماقه، ولكنه يوافقها، فهو نفسه لاعب كرة محترف، ذهبت الأم إلي الكنيسة تدعو الله ان يبعد نقمة الكرة عن منزلها، واستجاب الله لها، وأصيب الاب في ركبته واعتزل، واشتغل في وظيفة صغيرة، لكن الله لم يستجب لدعائها.. وأصبح ابنها "ادسون ارانتوس" لاعب كرة محترفا، وفي خلال 15 عاما تحول من ماسح أحذية إلى مليونير، إلى صاحب لقب "الجوهرة السوداء" إلى ساحر الكرة وأسطورة العالم.

عدد المشاهدات 496